تنازل الزوج عن نصف بيته لزوجته
أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين
الاستاذ بكلية الشريعة والقانون
من الإشكاليات الواقعية التي تشهد ساحات المحاكم على كثرتها تنازل
الزوج عن بعض أمواله لزوجته، ولاريب أن هذه الإشكاليات تحتاج إلى تسليط الضوء
عليها والتوعية بشأنها، ومن هذا المنطلق فقد اخترنا التعليق على الحكم الصادر عن
الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 15/3/2011م في الطعن الشخصي رقم (42130)
لسنة 1432ه وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم أن رجلاً تزوج أمرأة بعد
وفاة زوجته السابقة التي خلفت له ولدين ذكرين، واستمرت حياة هذا الزوج لمدة خمس
وعشرين سنة وفي أثناء ذلك قام الزوج بالتنازل لزوجته الاخيرة عن نصف البيت الذي
يقيم فيه؛ وقد تم هذا التنازل بموجب وثيقة رسمية تمت المصادقة عليها لدى الجهة
المختصة وبعد حين مات الزوج وبعدها طالبت الزوجة من اولاد زوجها قسمة تركة زوجها
وفرز نصيبها الى البيت على اساس ان نصف المنزل قد صار ملكا لها بموجب التنازل المشار اليه فحدث الخلاف بين الارملة واولاد
زوجها فقامت الارملة برفع دعوى أمام المحكمة المختصة طلبت فيها تسليمها الجزء
الشرقي من البيت الذي تنازل عنه لها زوجها قبل وفاته بمدة وطلبت إيضاً في دعواها
قسمة تركة زو جها من وتسليمها نصيبها الشرعي، وقد قضت المحكمة الابتدائية (ببطلان
التصرف الذي أبرمه الزوج في نصف البيت لزوجته ولزوم قسمة التركة كاملة) وقد ورد
ضمن أسباب الحكم الابتدائية (وحيث أن المدعية لم تبين بوضوح ما هو المقابل الذي
بموجبه تم التنازل لها بنصف البيت بل ولم تلتمس المحكمة قرائن يستدل من خلالها على أن حياة المتنازل كان
بحاجة الى المقابل حتى أنه يتصرف الى المدعية بطريق التنازل او البيع حتى تعتبر المحكمة ذلك قرينة على صحة التنازل
حيث لم تستطع المدعية إثبات مقابل ذلك التنازل مما يدل على بطلان هذا التصرف وعدم
اطمئنان المحكمة إليه فالمدعية وارثة شرعاً وقانوناً ولذلك فأن التصرف المشار إليه
قد يكون من باب الحيلة والوصية، فالمقرر أنه لا وصية لوارث) فقامت الأرملة المدعية
باستئناف الحكم الابتدائي فقبلت محكمة الاستئناف استئنافها وقضت بتعديل الحكم
الابتدائي وصحة التنازل الصادر من الزوج في أثناء حياته لأرملته المستئانفة، وقد
ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي (فمناعي المستأنفة صحيحة حيث أنها زوجة المتوفي
والعلاقة الزوجية دامت بينهما أكثر من خمس وعشرين سنة فمن الواضح أن الزوج تنازل
عن ذلك تقديراً منه لزوجته وهذا تصرف قانوني جائز والمستأنف ضدهما يطعنا بصحة ذلك
الإقرار والتنازل الذي يعتبر حجة على المقرر وعلى ورثته من بعده وأن التنازل كتصرف
قانوني لا يلزم فيه المقابل بعكس البيع الذي يلزم فيه المقابل وهو الثمن كما أن
التنازل في هذه القضية هو عن حق انتفاع لأن الأرض التي يقوم عليها المنزل مؤجرة
للمتنازل من هيئة الأراضي حيث أن الهيئة قد صادقت ووافقت على هذا التنازل
ولذلك فأن الإقرار والتنازل موافق للمادتين (78و96) من قانون الإثبات) فلم يقبل
ابنا المتوفى بالحكم الاستئنافي حيث قاما
بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي فقبلت المحكمة العليا طعنهما ونقضت الحكم
الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (فقد ناقشت الدائرة ما أثاره
الطاعن في عريضة الطعن من أسباب متعلقة بشأن صحة التنازل حيث توصلت محكمة
الاستئناف في حكمها المطعون فيه إلى نتيجة غير صحيحة لا تتوافق مع الشرع والقانون
حيث خالف الحكم الاستئنافي المادة (186) أحوال شخصية) وسيكون تعليقنا على هذا
الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول : التكييف القانوني للتنازل الصادر من الزوج لزوجته :
من خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نجد أن
الزوج قد تنازل لزوجته عن نصف المنزل الذي كان يقيم فيه معها قبل موته وتم تحرير
هذا التنازل الذي يتضمن إقرار الزوج بأنه قد تنازل تنازلاً نهائياً لا رجعة فيه
ولا خيار عن نصف البيت لزوجته وقد تم
تحرير هذا التنازل بنظر الأمين الشرعي المختص وقد تم تعميد وتسجيل هذا التنازل لدى
السجل العقاري في أثناء حياة الزوج المتنازل ولم يتضمن هذا التنازل المقابل الذي
قدمته الزوجة أو قامت به مقابل هذا التنازل وربما أن الباعث الذي دفع الزوج
للتنازل هو وفاء زوجته التي لم ينجب منها، وقد مات الزوج بعد مرض قصير فلم يكن
معقداً أو محتاجاً إلى من يخدمه خدمة خاصة، كما أن هذا التنازل قد تم ونفذ في
أثناء حياة الزوج، ومن خلال ما تقدم يظهر أن هذا التصرف ليس بيعاً لأنه لا عوض له
أو ثمن مقابل له كما أن الزوجة لم تقدم منفعة خاصة لزوجها مقابل هذا التنازل، كما أن هذا التنازل لا يعد
وصيةً لأن الوصية تصرف لما بعد الموت حيث أن التنازل المشار إليه قد تم إنفاذه في
أثناء حياة الزوج المتنازل الذي قام
بتنفيذ هذا التنازل عن طريق تسجيله تسجيلاً رسمياً لدى الجهة المختصة
قانوناً، وبناءاً على ذلك فأن التكييف المناسب لهذا التنازل هو الهبة لأن الهبة
تصرف يتم في أثناء حياة الواهب كما أنه لا يشترط أن يكون للهبة مقابلاً أو عوضاً.
الوجه الثاني : حكم الهبة للزوجة :
الزوجة وارثة لزوجها شرعاً وقانوناً ووفقاً
لذلك لا تجوز الوصية من زوجها لها، وقد ذكرنا في الوجه الأول أن التكييف الشرعي
للتنازل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا هو أن ذلك التنازل من قبيل
الهبة من الزوج لزوجته، وهذه الهبة يكون حكمها حكم الوصية للوارث أي غير جائزة
بحسب ما ورد في المادة (186) أحوال شخصية التي نصت على أن (الهبة للوارث ووارثه في
حياته تأخذ حكم الوصية إلا فيما استهلكه الموهوب له في حياة الواهب حقيقة أو حكماً
مع مراعاة أحكام المادة (183) ) والمادة (183) المشار إليها أوجبت المساواة بين
الورثة في الهبة، وعند تطبيق النصين على القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا
نجد أن الزوجة الموهوب لها لم تستهلك ما وهبه لها زوجها حقيقة او حكماً كما أن الزوج
عندما وهب زوجته نصف المنزل لم يهب بقية الورثة وهما ولديه من زوجته السابقة لم
يهبهما مثلما وهب زوجته، ولذلك أبطل حكم المحكمة العليا تنازل الزوج لزوجته عن نصف
المنزل.
الوجه الثالث : هل يصح تنازل الزوج لزوجته عن بعض ماله بمقابل؟
قضى الحكم الابتدائي بعدم جواز تنازل الزوج
لزوجته عن نصف البيت لعدم وجود مقابل لهذا التنازل ولذلك فأنه يكون في حكم الهبة
للوارث، وناقش الحكم الابتدائي عدم وجود المقابل باستفاضة حسبما ورد في أسباب
الحكم حيث صرح الحكم بأنه لم تكن هناك حتى مجرد قرائن تدل على أن هناك مقابل نقدي
أو عيني أو نفعي للتنازل ولذلك قضى الحكم الابتدائي بعدم صحة ذلك التنازل، ومن
خلال المطالعة للحكم محل تعليقنا نجد أن حكم المحكمة العليا قد أقر الحكم
الابتدائي، وهذا الأمر يثير السؤال: لو كان هناك مقابل للتنازل هل كان سيغير الحكم؟ ستكون الإجابة نعم لأن التكييف
للتنازل سوف يختلف في حالة وجود المقابل حيث سيكون بيعاً وليس هبة شريطة أن يكون
هناك تناسب فيما بين المقابل والشيء
المتنازل عنه لأن البيع ينبغي أن لا ينطوي على حيلة على الورثة الأخرين، ولا يثير
البدل النقدي أو العيني أية إشكاليات طالما وهو يتناسب مع قيمة الشيء المتنازل عنه
إلا أن الإشكالية تثور بالنسبة للمقابل إذا كان منفعة لأن العرف قد جرى على
ان منفعة أو خدمة الزوجة لزوجها تكون من
غير مقابل مع أن الفقه الاسلامي لا يوجب على الزوجة خدمة زوجها فليس عليها من واجب
إلا أن تمكنه من نفسها، والذي استقر عليه الحال في هذه المسألة أنه إذا كانت خدمة
الزوجة أو منفعتها لزوجها من الخدمات والمنافع المعتادة والمعروفة والمألوفة التي
تقوم بها الزوجات لأزواجهن فلا تصلح هذه المنافع لأن تكون مقابلاً للتنازل أو الهبة، أما إذا كانت هذه المنافع
غير معروفة وغير معتادة كأن تقوم الزوجة بالبيع والشراء بدلاً عن زوجها المريض
بمرض معقد أو أن تقوم بأمر زوجها الذي أقعده المرضى لفترة طويلة ففي هذه الحالة
تكون منفعة الزوجة لزوجها مقابلاً صحيحاً لما يهبها أو يتنازل عنه لها.
الوجه الرابع : توثيق التنازل وتسجيله وأثر ذلك على التصرف :
التوثيق والتسجيل للتنازل إجراءات لاحقة
للتصرف تهدف أساساً للتعرف على رضا المتنازل واختياره والتأكد من شخصيته وهويته،
فإجراءات التسجيل ليست ركناً أو شرطاً في التصرف، والدليل على ذلك أن كل تصرف يكون
صحيحاً قبل توثيقه أو تسجيله، ولذلك قضى الحكم الابتدائي ببطلان التنازل مع أنه
كان موثقاً ومسجلاً بالسجل العقاري لأن التنازل باطل في أصله حيث أنه يتضمن الهبة
للوارث من غير مقابل وأنه قد أفرد الزوجة وحدها بهبة دون بقية الورثة وذلك مخالف
لمقتضى المادتين (183 و186) أحوال شخصية التي سبقت الإشارة إليهما، ولكن من الملاحظ أن الحكم
الاستئنافي قد اهتم اهتماماً بالغاً بتسجيل التنازل واستند إلى التسجيل في الحكم
بصحة التنازل لأن التسجيل دليل على عدم صورية التنازل إضافة إلى أن التسجيل يكون
بمثابة قبض الهبة عند من يشترط صحة الهبة بالقبض مع عدم اعتراض الورثة الأخرين على
ذلك، ولكن التسجيل للتنازل لا يكون استهلاكاً للهبة في أثناء حياة الواهب إلا إذا
لحق بالتسجيل تصرف أخر من الموهوب له يخرج المال الموهوب من ملكية وحوزة الموهوب
له الى الغير، لأن العقار المسجل الموهوب من غير أن يلحقه تصرف ناقل للملكية يظل
في ملكية وحيازة الموهوب له، ولذلك وجدنا أن حكم المحكمة العليا قد قضى بنقض الحكم
الإستئنافي؛ والله اعلم.